صفي الرحمان مباركفوري

36

الرحيق المختوم

ومنهم من كان يئد البنات خشية العار والإنفاق ، ويقتل الأولاد خشية الفقر والإملاق ( القرآن : 6 - 151 . 16 - 58 ، 59 . 17 - 31 . 81 - 8 ) ، ولكن لا يمكننا أن نعد هذا من الأخلاق المنتشرة السائدة ، فقد كانوا أشد الناس احتياجا إلى البنين ، ليتقوا بهم العدو . أما معاملة الرجل مع أخيه وأبناء عمه وعشيرته فقد كانت موطدة قوية ، فقد كانوا يحيون للعصبية القبلية ، ويموتون لها . وكانت روح الاجتماع سائدة بين القبيلة الواحدة تزيدها العصبية وكان أساس النظام الاجتماعي هو العصبية الجنسية والرحم ، وكانوا يسيرون على المثل السائر « انصر أخاك ظالما أو مظلوما » على المعنى الحقيقي ، من غير التعديل الذي جاء به الإسلام من أن نصر الظالم كفه عن ظلمه ، إلا أن التنافس في الشرف والسؤدد كثيرا ما كان يفضي إلى الحروب بين القبائل التي كان يجمعها أب واحد ، كما نرى ذلك بين الأوس والخزرج ، وعبس وذبيان ، وبكر وتغلب وغيرها . أما العلاقة بين القبائل المختلفة فقد كانت مفككة الأوصال تماما ، وكانت قواهم متفانية في الحروب . إلا أن الرهبة والوجل من بعض التقاليد والعادات المشتركة بين الدين والخرافة ربما كان يخفف من حدتها وصرامتها وفي بعض الحالات كانت الموالاة والحلف والتبعية تفضي إلى اجتماع القبائل المتغايرة ، وكانت الأشهر الحرم رحمة وعونا لهم على حياتهم وحصول معايشهم . وقصارى الكلام أن الحالة الاجتماعية كانت في الحضيض من الضعف والعماية فالجهل ضارب أطنابه ، والخرافات لها جولة وصولة والناس يعيشون كالأنعام ، والمرأة تباع وتشترى وتعامل كالجمادات أحيانا ، والعلاقة بين الأمة واهية مبتوتة ، وما كان من الحكومات فجل همتها امتلاء الخزائن من رعيتها ، أو جر الحروب على مناوئيها . الحالة الاقتصادية أما الحالة الاقتصادية ، فتبعت الحالة الاجتماعية ، ويتضح ذلك إذا نظرنا في طرق معايش العرب . فالتجارة كانت أكبر وسيلة للحصول على حوائج الحياة ، والجولة التجارية لا تتيسر إلا إذا ساد الأمن والسلام ، وكان ذلك مفقودا في جزيرة العرب إلا في الأشهر الحرم ، وهذه هي الشهور التي كانت تعقد فيها أسواق العرب الشهيرة من عكاظ وذي المجاز ومجنة وغيرها .